إبتسامة زائفة

ابتسامة زائفة

قلت لها … إلى اللقاء … سأشتاق قبل أن أودعك

رسمت هي شكلا خجولا في الماسنجر … وابتسمت هي  … وابتسمت أنا

ذهبت إلى السرير .. كانت الساعة 3.5 فجرا … لا أعلم كيف أتاني النوم فجأة

لكن … كانت الساعة 5.5 صباحا عندما استيقظت

كنت نشيطا … واستعديت للعيد … ولبست الجديد … ورسمت ابتسامة على شفتي .. وأنا أشاهد نفسي في المرآة

الساعة الآن 6.30 .. نصلي العيد في المصلى أمام منزلنا

الجموع كثيرة .. وكنت في طرف المصلين … فلا أحب المزاحمة

الساعة 6.45 … ذهبت إلى أختي … فهي بمثابة أمي الآن.

قبل تسعة أشهر … كانت أمي أول من أهنئه بالعيد …أما  الآن … أصبحت أختي …

فقد ماتت أمي

هذا أول عيد يمر علينا … بدون أمي … رسمت ابتسامة على شفتي … وقبلت رأس أختي

أو

رأس أمي

أختي لم تبتسم … كانت عيناها, وجنتاها, تحملان آثار الدمع …!

لقد فهمت الآن … لقد تذكرت هي أمي

وفهمت هي تصرفي … بأنني جعلتها بمثابة أمي الآن

لكنها لم تبتسم … يالك من امرأة يا أختي

لست أعلم كم الساعة الآن … لكنني في منزل عمي القريب … أقبل رأسه وأهنئه بالعيد

وأسأله ممازحا " هل ستزوجني…؟ "

يجيب عمي بسرعة " اليوم قبل بكرا "

آسف يا عماه … ابنة عمي … لا تناسبني

خرجت من المنزل … اسمع صوت الهاتف … كانت أختي :

– " متى تروح تزورها…؟ "

تظاهرت بأني لم أفهم …

         " أزور من …؟ "

         " نادر … داري انك ناوي تزورها … هل اقدر اركب معاك في السيارة واشوفها من بعيد … ابي اشوف القبر نادر … قبر أمي … مرة بس "

         " والله ما اقدر … آسف .. اطلبي عيوني … بس ما اقدر آخذك هناك … أنا ابكي إذا رحت … كيف أنتي اجل… "

         " طيب خذ صورة القبر … أشوفه بس …! "

         " أفكر … "

الآن أنا في المقبرة … موقف كئيب

الناس في المقبرة وخارجها متشابهون تماما … الملابس الجميلة … السيارة النظيفة الفارهة … اجمل الملابس والاطياب

لكن هناك شي واحد يميزنا داخل المقبرة … لم نكن نبتسم … كنا صامتين

نسير إلى أحبائنا … وكأننا نساق إلى الموت … كأننا خائفين أن لا نعود

لكننا لم نكن خائفين أن لا نعود … كنا خائفين من أن نفارق أحبتنا مرة أخرى … هذا هو السبب

" أمي … الســـلام عليكم … أنا نادر … هذا متعب اخوي … كلنا هنا نسلم عليك "

دعونا لها … قرأنا سور القرآن … ودعونا الله أن يرحمها وأن يفرحها اليوم , كما أفرحنا بالعيد اليوم

ذهب متعب … وبقيت أنا

بقيت … وأخذت أحدثها بما في قلبي … كأنها هنا

لو رآني أخي, لظنني مجنون

أتحدث مع  الموتى …!

لكن أخي … من قال أنها ماتت…!

هي هنا, لو أردتها أن تكون هنا .. وهي هناك لو أردتها أن تكون هناك

" أمي … هذا كل ما حدث معي … وكعادتي … سآتيك الجمعة المقبلة … عصرا … الســـلام عليكم أهل القبور … انتم السابقون ونحن اللاحقون "

وأنا أودع القبر … تذكرت أختي الكبرى … وتذكرت كتابها الذي اهدتني اياه مؤخرا … ما كان اسمه…!

اها … اسمه " الروح "… لابن القيم

يقول ابن القيم … أن امي تفرح بزيارتي وتأنس بها … وتستبشر بها عند من حولها

" أمي … أتمنى انني فعلا افرحك في مماتك … كما افرحتك في حياتك "

وخرجت … نظرت إلى اخي

وابتسم هو … كان فرحا … فخورا بأنه بار بأمه

حتى بعد موتها

لكنني لم ابتسم … وأدركت لماذا أختي لم تبتسم

فرحتي … ابتسامتي … بهجتي

كلها … أحاسيس مؤقتة … حالما أعود لنفسي .. وأنطوي عليها

وأتذكر من أحب … أعلم أنه ليس هناك ما يستدعي تلك المشاعر

وقد انطوت اختي على نفسها … وسالت دمعتها … وعلمت … أن العيد … بدون أمي … يوم عادي

" اختي … آسف … كانت الجموع كثيرة عند القبر … ولم استطع التصوير … ربما الجمعة المقبلة … لا عليك ..."

مسكينة اختي … لا تعلم منظر القبر

لكنني أعلم منظره … وأعلم ما يفعل هذا المنظر بنا … وأعلم ما يفعل رؤيتنا لحبيبتنا في داخله … تحت الثرى

أختي … انسي الموضوع … فلست مجردا من المشاعر … لكي اكسر قلبك …برؤية قبرها … اعذريني

انطويت على نفسي … وتذكرت أمي … ونسيت العيد .. وملابس العيد …وفرحة العيد .. وابتسامته

أمي … آسف… لقد ابتسمت

لكن … لقد تعلمت … فبدونك … ابتسامتي … زائفة

فلا تقلقي … لن يفرح قلبي … لو فرحت الجوارح

فشفتاي للناس … ولك القلب … ولك ابتسامة القلب

أمي ..  سامحيني

 

 

This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

2 Responses to إبتسامة زائفة

  1. moon says:

    مرحبااول شي الله يرحمها ويجمعك فيها بجنات النعيمهذا عزائنا الوحيدوثاني شي اهنيك على موهبتك في الكتابه حلو الواحد يكون عنده القدره على ايصال مابداخل قلبه للاخرينوحكايتك هذي تذكرني بنفسيانا مثلك فقدت ابوي وانا عمري 14 سنهواستحاله انسى اول عيد مر علينا من غيرهكنا كلنا نقول العيد من غير ابوي ماله طعمكنت اشوف الدموع بعين امي وماادري اواسيها والا اواسي نفسيوالمأساة هذي تتكرر معانا في كل مناسبه سعيدهلكن مااقول الا الله يرحم امواتنا وجميع اموات المسلمين

  2. NaDeR says:

    أهلين جوجو :)…شكرا على دعائك… واللهم آمين…الله يرحم الوالد انتي موقف بعد كان صعبانا كبير ما تحملت, كيف شخص عمره 14…!…الله يرحم امواتنا واموات المسلمين…شكرا على المرور

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s