تخويف المرأة في مجتمعنا

أسلوب تخويف المرأة في مجتمعنا

مها فهد الحجيلان*

تركز الثقافة الشعبية عندنا على بعض القيم الأساسية في الحياة الأسرية، ومنها الاعتقاد بأنه لا بد أن تعيش المرأة في خوف دائم من الرجل؛ وبخاصة حينما تصبح زوجة إذ يلزمها أن تتكبد الآلام النفسية والذهنية التي يمكن أن تحصل فيما لو تزوج عليها زوجها. وترى هذه الثقافة أن المرأة التي تعيش هذا النوع من الخوف والعذاب النفسي هي الزوجة التي تقوم بمهامها الزوجية بطريقة صحيحة. في حين أن المرأة التي تشعر بالأمان التام من أن زوجها لن يتزوج عليها فإن هذه الزوجة سوف تصل بها الثقة درجة أن تستهتر بزوجها وبحياتها الأسرية، ويتوقع منها أن تكون مثالا للمرأة سيئة السمعة وقبيحة المعشر.
والواقع أن هذه الثقافة تفترض في المرأة أنها مخلوق قاصر عقلياً ونفسياً وأنها في حقيقة الأمر ليست أكثر من طفل مشاغب يحتاج إلى المراقبة والتأديب والتخويف باستمرار لكي يقوم بواجباته. فالزوجة المثالية التي تراها الثقافة امرأة عاقلة وتصف سلوكها بأنه سلوك جميل هي تلك المرأة التي تؤدي واجباتها بسبب خوفها الدائم وترقبها المستمر للوجل بأن يتزوج عليها زوجها بامرأة أخرى بسبب تقصيرها في أي شيء. وهذا يعني أنها مسلوبة القيم الجمالية بذاتها، فهي لولا تهديد الرجل الصريح أو المضمر لها لما صارت بهذا السلوك القويم.

ولاشك أن الواقع الاجتماعي هو الذي دعم مثل هذه الفكرة وجعلها سائدة بين الرجال وكذلك بين النساء. فهناك بالفعل نساء تربين على هذه الثقافة التي صارت ضمن تكوينهن العقلي والنفسي؛ وربما يصل ببعضهن الاعتقاد أن الرجل الطيب الذي يحترمهن ما هو إلا رجل ضعيف مهزوز. ولهذا يمارسن معه السلوك السلبي وينغصن عليه حياته بأساليب مختلفة. والسبب في ذلك يعود إلى أن صورة الرجل المثالي في أذهانهن هو الرجل العنيف الذي يهين المرأة؛ وهي صورة مأخوذة من مجتمعهن الذي نشأن فيه. ولهذا يجد الرجال الذين يولون هذا النوع من النساء احتراما وتقديرا مشكلات كثيرة ليس أقلها صعوبة التفاهم على أي قضية بسيطة.

وليس مستغربا بناء على ذلك أن تشيع المشكلات الأسرية في مجتمعنا؛ وكل يرمي السبب على الآخر دون الوصول إلى حل. ويكثر الطلاق والفراق والخصام وسوء التفاهم بين الأزواج؛ وهي مشكلات تتكرر وتدور مع الأجيال دون أن نتعلم من الماضي أو من تجارب الآخرين.
ومما ينبغي ذكره أن الحقيقة التي تؤيدها الدراسات النفسية والاجتماعية تبين أن الشعور بالأمان والثقة بين الزوجين هو العنصر الأساسي في جعل كل طرف يبذل أقصى ما يستطيع لإسعاد الآخر. فيكف يمكن للمرأة أن ترعى زوجها وتحبه وترعى بيتها وأطفالها وهي كل يوم تشعر أن حياتها قد تسلب منها في أي لحظة فتتحطم أحلامها ويذهب تعبها وسنين عمرها سدى بإدخال طرف ثالث يشاركها زوجها وحياتها وكل مواردها؛ وكأنها حذاء يتم تغييره متى ما حلا للابسها ذلك؟ إن المرأة التي تشعر بالتهديد ستبدأ بالاستهانة بزوجها وأطفالها وبيتها وربما شرفها لأنها حينها ستكون إنسانة متألمة متلخبطة تعيش جرحا عاطفيا لن تشفيه السنين مهما طالت. يقال إن المرأة تهتم بالحب أولا وأخيرا؛ وهذا صحيح، لكن لا يمكن أن تشعر بهذا الحب وتبادل الرجل مشاعر فياضة إن كانت تعيش خوفا وهلعا من رعب الزواج عليها.

أتذكر أني شاهدت برنامجا اجتماعيا في إحدى القنوات الفضائية استضاف الدكتورة ليلى الهلالي ويبدو أنها متخصصة بعلم النفس ومهتمة بالعلاقات الأسرية بالتحديد. وكانت الهلالي تكرر على مسامع المشاهدين ولكل من اتصل عليها من الرجال والنساء أن أهم شيء للمرأة هو شعورها بالأمان؛ فهي حينما تشعر بذلك تستطيع أن تحب وأن تستمتع بالحب؛ واعتمادا على هذا الحب الصادق فهي تجازف وتغامر. وهنا زوجها سيكون أسعد رجل، لأن زوجته تعطيه كل مالديها لكونه يستحق ذلك؛ فهو رجل يحبها ويكرمها ويشعرها أنها كل شيء له.
المثير للعجب والوجع أن مجتمعنا وربما يشاركه مجتمعا أفغانستان وباكستان بوصفها أكثر المجتمعات تحريضا ضد المرأة، وهنا أتحدث من الناحية الاجتماعية، يعتقد فيه كمية كبيرة من الرجال أنهم حينما يتزوجون امرأة فإنهم في الحقيقة كما الذي يشتري بهيمة ليعاشرها ويستولدها، ويمتلك خادمة تجلي الصحون والمراحيض. وهذا المخلوق (المرأة) في نظر رجل تلك المجتمعات هو شخص لا يتألم مثلهم ولا يفكر كما يفعلون، لأن المرأة باختصار في اعتقادهم ليست سوى مخلوق من ضلع أعوج.

إن الرجل بتفكيره المريض هذا ومحاولاته المنحرفة لتخويف المرأة وسحق إنسانيتها يخسر سعادته وراحته. فالمرأة المجروحة لا يمكن أن تحب وإن زيفت عواطف معينة فهذا ليس حبا في زوجها وإنما حيلة حتى تنغص من خلالها حياة غريمتها. وهذه العواطف المزيفة لن تمنعها من الانتقام السري من زوجها ونفسها التي تحملها ذنب القبول بهذا الرجل كزوج منذ البداية. والدليل على ذلك ما نسمعه عن حالات الزنا والخيانات والمصاحبات التي استفحلت بين صفوف المتزوجات. وبطبيعة الحال لا يمكن أن تفكر أي زوجة سعيدة بالانحراف ولكن التي أقدمت على هذه الجرائم الأخلاقية وجدت جسدها وإنسانيتها استرخصت من قبل زوجها؛ وهذا أمر لا يمكن أن تقبله. وهناك مثل شعبي كويتي يعبر عن انطباع المرأة وموقفها من الزوجة التي تشاركها زوجها، ومفاده أن "الشريكة قهرْ لو بالقبرْ". فما بالكم إن كانت المرأة الضحية لا تزال على قيد الحياة وترى بنفسها حياتها تتآكل وتأخذ شكلا بهيميا لا ترضى به إلا المريضة نفسيا.
والحقيقة أن الزوجة السعودية مسكينة لأنها تعيش مع هم كبير خصوصا مع الانحدار الأخلاقي المرعب الذي تعيشه شريحة عريضة من المجتمع الآن. فهي لا تشعر بالأمان مع زوجها ولا بالطمأنينة من المجتمع الذي يتربص زلاتها أو زلات زوجها لينتهزها فرصة لاستغلالها أو استغلال زوجها وأطفالها. هذا العبء الكبير لا تعرفه كثير من سيدات المجتمعات الأخرى اللاتي بدلا من إهدار طاقتهن بالتفكير السلبي والخوف من المستقبل كرسن جهودهن لإسعاد أزواجهن الذين بدورهم ينتهزون كل فرصة للتعبير عن حبهم وإخلاصهم ووفائهم.

وفي ظل الوضع الأخلاقي المتدهور يبدو أن البقاء بلا زواج هو حل مقبول لبعض الفتيات؛ وهذا بالفعل ما اختارته كثير من الفتيات الآن. فالمرأة الآن لا تتزوج لأنها تحتاج من يصرف عليها كما كانت الحال قديما، لأنها في الغالب متعلمة أو موظفة؛ وإنما تتزوج لكي تشعر بالحب والدفء. ولهذا إن كان حتى هذا الحلم بالحب والدفء قد لا يحصل؛ فلماذا المجازفة والعناء والعذاب الذي يدمر الحياة ويقضي على كل عناصر البهجة والراحة في هذه الدنيا؟
من المؤكد أن الرجل المريض الذي يجمّع النساء كما الدجاج ويعاملهن كأنه يعامل البهائم هو إنسان لا يعرف من الإنسانية شيئا. وفي المجتمعات التي تحترم الإنسان يعتبر هذا الصنف من الرجال مذنباً تتم محاكمته وسجنه. وهذا ليس بالضرورة في مجتمعات غربية فقط لأن بعض المجتمعات العربية والإسلامية تمنع التعدد لأنه من الضرر الواقع على المرأة وأطفالها؛ وبالتالي على المجتمع بشكل كامل. وبعض تلك المجتمعات يمنع إكراه الزوجة على المعاشرة الزوجية لأن في ذلك إهانة لبشر أكرمه الله. والبعض الآخر يمنع أمر الزوجة بشيء لا تريده سواء كان ذلك بخصوص الزوج نفسه أو الأطفال أو البيت أو العمل.

* كاتبة سعودية

..اعجبني هذا المقال بشكل كبير, لانه صريح
فقد ابدعت الكاتبة في نقل صورة لما تعانيه الكثير من النساء لدينا
وايضا اوضحت الطريقة التي يفكر فيها الرجل السعودي, وهي طريقة سيئة بكل صراحة
وكثيرا ما اسمع هنا وهناك عبارة " المرأة ضلع اعوج " وهذا تجني وافتراء
والكثير من هؤلاء الحمقى, يتناسون ان علاقته مع اول كائن بشري, كان مع المرأة … أمه
فلا نقول, إلا لا حول ولا قوة إلا بالله
لإني اعتقد ان المشكلة كبيرة, ويصعب حلها, لانها مرتبطة للأسف بالجانب الديني
فالكثير يأخذ معلوماته من رجال الدين, والذين هم بدورهم ينقلون فكرهم من العصور القديمة ويقتبسونها من العادات
فيأخذون من الدين ما يقوي سلطتهم, ويتركون ما يجلب العدل للجميع

تحية يا مجتمع

This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

One Response to تخويف المرأة في مجتمعنا

  1. moham3d says:

    مقال رائع جداً , حيث أنه يوضح المشاكل التي تعاني منها المراة مما ينعكس سلباً على الأطفال في المستقبل جزاك الله الف خير  

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s